الشنقيطي

304

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

واحتجوا بأنه صلى اللّه عليه وسلم لم يحرق رحل غال ، بما رواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، عن عبد اللّه بن عمرو ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا أصاب غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس ، فيجيئون بغنائمهم ، فيخمسه ، ويقسمه ، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر ، فقال : يا رسول اللّه هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة ، فقال : « أسمعت بلالا ينادي ثلاثا » ، قال : نعم ، قال : « فما منعك أن تجيء به ؟ » فاعتذر إليه ، فقال : كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله عنك ، هذا لفظ أبي داود ، وهذا الحديث سكت عنه أبو داود ، والمنذري ، وأخرجه الحاكم وصححه . وقال البخاري : قد روي في غير حديث عن الغال ، ولم يأمر بحرق متاعه . فقد علمت أن أدلة القائلين بعدم حرق رحل الغال أقوى ، وهم أكثر العلماء . قال مقيده - عفا اللّه عنه - : الذي يظهر لي رجحانه في هذه المسألة : هو ما اختاره ابن القيم ، قال في [ زاد المعاد ] بعد أن ذكر الخلاف المذكور في المسألة : والصواب أن هذا من باب التعزير والعقوبات المالية الراجعة إلى اجتهاد الأئمة ، فإنه حرق وترك ، وكذلك خلفاؤه من بعده ، ونظير هذا قتل شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة ، فليس بحد . ولا منسوخ ؛ وإنما هو تعزير يتعلق باجتهاد الإمام . ا ه . وإنما قلنا : إن هذا القول أرجح عندنا ؛ لأن الجمع واجب إذا أمكن ، وهو مقدم على الترجيح بين الأدلة ، كما علم في الأصول ، والعلم عند اللّه تعالى . أما لو سرق واحد من الغانمين من الغنيمة قبل القسم ، أو وطئ جارية منها قبل القسم ، فقال مالك وجل أصحابه : يحد حد الزنى والسرقة في ذلك ، لأن تقرر الملك لا يكون بإحراز الغنيمة ؛ بل بالقسم . وذهب الجمهور - منهم الأئمة الثلاثة - إلى أنه لا يحد للزنى ولا للسرقة لأن استحقاقه بعض الغنيمة شبهة تدرأ عنه الحد ؛ وبعض من قال بهذا يقول : إن ولدت فالولد حر يلحق نسبه به ، وهو قول أحمد . والشافعي ، خلافا لأبي حنيفة ؛ وفرق بعض المالكية بين السرقة والزنى ، فقال : لا يحد للزنى ، ويقطع إن سرق أكثر من نصيبه بثلاثة دراهم . وبهذا قال عبد الملك من المالكية ، كما نقله عنه ابن المواز . واختلف العلماء فيما إذا مات أحد المجاهدين قبل قسم الغنيمة ، هل يورث عنه نصيبه ؟ فقال مالك في أشهر الأقوال والشافعي : إن حضر القتال ورث عنه نصيبه وإن مات قبل إحراز الغنيمة ، وإن لم يحضر القتال فلا سهم له . وقال أبو حنيفة : إن مات قبل إحراز الغنيمة في دار الإسلام خاصة ؛ أو قسمها في دار الحرب فلا شيء له ؛ لأن ملك المسلمين لا يتم عليها عنده إلا بذلك . وقال الأوزاعي : إن مات بعد ما يدرب قاصدا في سبيل اللّه - قبل أو بعد - أسهم له ،